فصل: من سورة الطلاق:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآية رقم (10):

قال الله تعالى: {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)}.
أي إذا فرغتم من أداء الصلاة فتفرّقوا في الأرض إلى حيث تؤدّون أعمالكم التي كنتم تركتموها من أجل الذكر، واطلبوا الربح من فضل الله وفيض إنعامه.
وقد قالوا: إن هذا أمر ورد بعد الحظر فهو للإباحة، وعليه فليس يطلب من الإنسان أن يخرج من المسجد بعد الصلاة، لا وجوبا ولا ندبا.
ولقد روي عن بعض السلف أنّه كان إذا انتهت الصلاة خرج من المسجد، ودار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلّى ما شاء أن يصلّي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيّد المرسلين يصنع هذا، وتلا قوله تعالى: {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} رضي الله عن أصحاب رسول الله، فقد كانوا يتأسون بالمصطفى حتى في حركاته وسكناته.
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً} وفي وقت اشتغالكم بأعمالكم، ولا تكتفوا بالذكر الذي سعيتم من أجله، لكي تفوزوا بخير الدارين.
وقد عرض المفسرون هنا لأحكام كثيرة تتعلق بالجمعة، كاشتراط المصر، وكون الخطبة قبل الصلاة أو بعدها، وهل هناك سنن قبلية، أو بعدية؟ ونحن نرى أن هذه الأحكام لا تدل عليها الآية، ولا من طريق الإشارة، فيرجع إليها في السنة والفقه.

.تفسير الآية رقم (11):

قال الله تعالى: {وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)}.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا، أنا فيها وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: {وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً} إلى آخر السورة.
بهذا تضافرت الروايات على اختلاف بينها في التفاصيل، وفي بعض الروايات أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم نارا».
وفي بعضها: كان الباقي ثمانية، وفي بعض آخر: بقي أربعون رجلا، وكانت العير لعبد الرحمن بن عوف تحمل طعاما، وكان قد أصاب المدينة جوع وغلاء سعر.
ولما كانت الآية نزلت بعد أن ترك من ترك رسول الله في موقفه، قال العلماء: إن إِذا مستعملة في الماضي، ولما كان العطف بين قوله: {تِجارَةً أَوْ لَهْواً} بـ {أَوْ} صحّ مجيء الضمير في إليها مفردا، ورجع الضمير إلى التجارة دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، ولهوهم كان للفرح بمجيء التجارة التي أنقذتهم مما هم فيه من الجوع وغلاء السعر، وقد روي أنّه حين جاءت العير استقبلها الناس بالفرح وضرب الدفوف، فخرج المنفضون على ذلك.
وقد استدل العلماء بقوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قائِماً} على مشروعية القيام أثناء الخطبة، والمشروعية أمر متفق عليه بين العلماء، وقد ثبت في السنة أنّ النبي ما خطب إلا قائما، وكذلك الخلفاء من بعده، استمرّ الأمر هكذا إلى زمن بني أمية، حيث وجد منهم من استهان بأمر الخطبة فخطب جالسا.
نعم قد روي أن أول من خطب جالسا معاوية رضي الله عنه، وقد حمل العلماء هذه الرواية على فرض صحتها على أنّه كان عاجزا عن القيام، وإلا فمقام معاوية أجلّ من أن يخالف ما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبيّ كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.
وحكم القيام في الخطبة أنّه سنة عند الحنفية، ويرى الشافعية أنّه أحد شروطها، وأنت تعلم أنّ الحنفية لا يثبتون الشرط إلا بقطعي، وهو غير موجود هنا.
والشافعية يتمسكون بما في الآية من إشارة، وبما ثبت من السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية على ما عرفت قبلا.
{قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ} قدمت التجارة على اللهو عند الرؤية، لأنها كانت الباعث الأقوى على الخروج، وأخّرت هنا لأنّه أقوى في الذم، والغرض التنفير، فكان من المناسب تقديمه.
{وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} فهو الذي يقدّر الأقوات وييسرها، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وما يمسك فلا مرسل له، وما يرسل فلا ممسك له، إلا من بعد إذنه، وما ينبغي لأحد أن يهجر عبادة الله من أجل شيء، إن كان له فسوف يأتيه، وإذا لم يكن له فلن يفيد فيه الإسراع إليه، والجري وراءه، وهو لو شاء الحرمان منه لحرمه وهو في البيت، بل وفي اليد إلى الفم.
وقد حاول العلماء أن يستدلوا بما روي في أسباب النزول من أعداد الباقين والمنفضين على العدد في الجمعة، فمن صحّ عنده أن الباقين كانوا اثني عشر قال: إنّ العدد المعتبر في الابتداء هو العدد المعتبر في البقاء، فلو كان العدد الباقي لا تصحّ به الجمعة لما صحت الجمعة، ولم يرو أنّهم أعادوها.
وقد ردّ هذا الاستدلال من وجوه:
أولا: قد روي أنّ الباقي كان أربعين، وروي أنه كان ثمانية، ولو سلّم أنهم كانوا اثني عشر، فلا دلالة فيه، لأنّه لا يدل إلا على أنّها تصح باثني عشر، وهو لا يفيد أنها لا تصح بما دون ذلك، فأين التحديد باثني عشر.
وقد سبق أن قلنا: إن الآية لا يؤخذ منها شيء من هذه الأحكام التي يثبتها الفقهاء في الجمعة، ولا دلالة لها على أكثر من وجوب السعي عن الجمعة، وعلى وجوب ترك البيع وشؤون الدنيا من أجل الصلاة، وعلى أنّه لا يجوز أن يترك الناس الخطيب يخطب وينصرفوا إلى أي شأن آخر.

.من سورة الطلاق:

.تفسير الآية رقم (1):

قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (1)}.
{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ} إنما كان النداء خاصا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، والخطاب بالحكم عاما له ولأمته تكريما له عليه الصلاة والسلام، وإظهارا لجلالة منصبه، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لمقامه فيهم، واعتبارا لترؤسه، وإنه المتكلّم عنهم، وإنه هو الذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه.
وقيل الجمع في قوله: {إِذا طَلَّقْتُمُ} للتعظيم، مثل قوله تعالى: {قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] وقول القائل: ألا فارحموني يا إله محمد.
وقيل: أراد يا أيها النبيّ ويا أيها المؤمنون، فحذف لدلالة الخطاب عليه.
وقيل: أراد يا أيها النبيّ قل للمؤمنين إذا طلقتم النساء إلخ.
وقد اتفق المفسّرون على اعتبار التجوّز في قوله تعالى: {إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} لأن الكلام لا يستقيم دونه، لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى إذا طلقتموهن فطلقوهنّ مرة ثانية، وهو غير مراد قطعا، فلابدّ من التجوّز، إما بإطلاق المسبب وإرادة السبب، وإما بتنزيل المشارف للفعل منزلة الشارع فيه، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن تطلقوهن لعدتهنّ.
واللام في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} لام التوقيت كاللّام الداخلة في التاريخ، نحو كتبته لثلاث مضين من المحرم، أي فطلّقوهن في عدتهن، أي في وقتها. والمراد بالأمر بإيقاع الطلاق في ذلك النهي عن إيقاعه في الحيض، وردت بذلك السنة الصريحة، فالمعنى: إذا أردتم تطليقهنّ، فلا تطلقوهن في الحيض، فهو مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» ليس معناه إيجاب السلم، بل معناه النهي عن السلم فيما لم يعلم كيله أو وزنه أو أجله.
وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كل مما يليك».
ليس معناه إيجاب الأكل. بل معناه: النهي عن أن يجيل يده في الإناء، وهكذا جرى عرف اللسان العربي في كل ما كان من هذا القبيل، فكانت الآية دليلا على حرمة الطلاق في الحيض.
واتفق الفقهاء على أنّ ذلك طلاق بدعي محرّم. والمعنى: فيه الإضرار بالزوجة بتطويل المدة التي تتربصها، فإنّ بقية الحيض لا تحسب من العدة عند من يرى أنّ الأقراء الأطهار، وكذلك لا تحسب هي ولا الطهر بعدها من العدة عند من يرى أنّ الأقراء الحيض.
وأيضا ليس من الوفاء ولا من المروءة أن يطلقها في وقت رغبته عنها، لسبب لا دخل لها فيه.
وألحق الفقهاء بذلك في الحرمة الطلاق في النفاس، لما ذكر من المعنى.
وأتت السنة الصحيحة بصورة ثالثة للطلاق البدعي المحرم، وهي أن يطلّقها في طهر جامعها فيه، والمعنى في ذلك أنه ربما يندم على الطلاق إذا ظهر الحمل، إذ الإنسان قد يسمح بطلاق الحائل لا الحامل، وقد لا يتيسّر له ردها، فيتضرر هو والولد.
واستثنى كثير من الفقهاء من الطلاق المحرّم خلعها في الحيض بعوض منها، لأنّ بذلها المال يشعر بحاجتها إلى الخلاص، وبرضاها بتطويل المدة، وقد قال تعالى: {فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وأذن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لثابت بن قيس في الخلع على مال من غير استفصال عن حال زوجته.
استدلّ أهل الظاهر بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} على أنّ الطلاق في الحيض لا يقع، ولا يترتب عليه حكم، لأن الآية ظاهرة في النهي عن الطلاق في غير العدة.
وقد بينت السنة ذلك، بأنه الطلاق في الحيض.
وثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».
وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
قالوا: وهذا صريح في أنّ هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلّى الله عليه وسلّم مردود وباطل. قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه وبين الطلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرّمه ونهى عنه من الطلاق؟ وليس لكم متمسك في ذلك إلا رواية عن ابن عمر قد خالفها ما هو مثلها أو أحسن منها عن ابن عمر أيضا، فقد أخرج أبو داود عن أبي الزبير أنّه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر، قال أبو الزبير: وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلّق امرأته حائضا فقال: طلّق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض.
قال عبد الله: فردها عليّ ولم يرها شيئا. وليست رواية نافع عن ابن عمر: «مره فليراجعها» بأصحّ من رواية أبي الزبير عنه: «فردها عليّ ولم يرها شيئا». وحينئذ يتعيّن الجمع بينهما بحمل المراجعة في قوله: «مره فليراجعها» على الارتجاع والرد إلى حالة الاجتماع كما كانا من قبل، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق البتة.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأنّ الاستدلال بالآية على عدم وقوع الطلاق في الحيض موقوف على أنّ النهي عن الشيء يقتضي الفساد، وهي مسألة أصولية كثرت فيها المذاهب والآراء، وصحّح الحنفية منها أنه لا يقتضي الفساد مطلقا. وقال الشافعية: إنّه يدلّ على الفساد في العبادات وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد، أو إلى أمر داخل فيه، أو لازم له.
فإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت نداء الجمعة، فلا يدل على الفساد، والنهي فيما نحن فيه لأمر مقارن، وهو زمان الحيض، فهو عندهم لا يدل على الفساد أيضا.
وأيّد ذلك بأمر ابن عمر بالرجعة، إذ لو لم يقع الطلاق لم يؤمر بها، وقد قال الله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وهذا يعمّ كلّ طلاق. وكذلك قوله: {وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتانِ} [البقرة: 229] وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ} [البقرة: 241] وهذه كلها عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع، والمطلقة في الحيض داخلة في هذه العمومات.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
فما أصحه وما أبعده عن محل النزاع، فإنّ وقوع طلاق الحائض مشروع، فلا يقال فيه: إنه عمل ليس عليه أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهو مردود، وتحريم الطلاق في الحيض لا يمنع ترتيب أثره وحكمه عليه، كالظهار، فإنّه منكر من القول وزور، ولا شكّ في ترتيب أثره وحكمه عليه، وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفّر، فهكذا الطلاق البدعي محرّم، ويترتب عليه أثره، إلى أن تراجع، وكذلك القذف محرّم، ويترتب عليه أثره من الحدود والشهادة.
وكذلك وطء الزوجة في الحيض محرّم، ويترتب عليه أثره وحكمه، حتى ولو دخل بزوجته وهي حائض اعتبر ذلك وطأ يقرّر المهر ويوجب العدة.
وكذلك الإيمان وهو أصل العقود وأجلها وأشرفها يزول بالكلام المحرّم إذا كان كفرا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطّلاق المحرم، الذي وضع لإزالته؟ وكذلك طلاق الهازل يقع مع تحريمه، لأنّه لا يحلّ الهزل بآيات الله، فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجادّ أولى أن يقع مع تحريمه.
والفرق بين النكاح المحرّم والطلاق المحرّم أنّ للنكاح عقد يتضمن حلّ الزوجة، وملك بضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا، فإنّ الأبضاع في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع بخلاف الطلاق، فإنه إسقاط لحقه، وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا فيه شرعا. على أن من النكاح ما يكون محرما ويقع عقده صحيحا، كمن عقد على مخطوبة الغير، فإنّ الإقدام على هذا النكاح حرام، ومع ذلك إذا وقع العقد كان صحيحا.
وأما رواية أبي الزبير عن ابن عمر فردّها عليّ، ولم يرها شيئا، فهي مردودة لمخالفة أبي الزبير فيها من هو أوثق منه، قال أبو داود: والأحاديث كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير عنه، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا تخالفا، وكذلك قال الخطابيّ. وقال ابن عبد البر: تفرّد بهذه الرواية أبو الزبير، وقد روى الحديث عن ابن عمر جماعة أجلة، فلم يقل ذلك أحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه.
وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا.
واستدل الشافعيّ بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} على أن الأقراء الأطهار، ووجه الاستدلال به أنّ اللام هي لام الوقت، أي فطلقوهن وقت عدتهن، وفد فسر النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية بهذا التفسير، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلّق امرأته وهي حائض في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأل عمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء».
فبيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض كان قد طلقها قبل العدة، لا في العدة، وكان ذلك تطويلا عليها. ويشهد لهذا الذي ذهب إليه الشافعي قراءة ابن مسعود فطلقوهن لقبل طهرهن.
وقال الذاهبون إلى أن الأقراء الحيض: إنّ أهل العربية يفرّقون بين لام الوقت وفي التي للظرفية، فإذا أتوا باللام لم يكن الزمان المذكور بعدها إلا ماضيا أو منتظرا، ومتى أتوا بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا للفعل، واعتبر ذلك في قولك: (كتبته لثلاث خلون) و(كتبته بثلاث بقين) و(كتبته في ثلاث) ففي المثال الأول تكون الكتابة بعد مضي الثلاث، وفي المثال الثاني تكون الكتابة قبل حلول الثلاث، وفي المثال الثالث تكون الكتابة في نفس الثلاث وفي أثنائها. إذا تقرر ذلك يكون قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} معناه فطلقوهن لاستقبال عدتهن، لا في عدتهم، إذ من المحال أن يكون الطلاق وهو سبب العدة واقعا في العدة، وإذا كانت العدة التي تطلّق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض، فإنّ الطاهر لا تستقبل الطهر، إذ هي فيه، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها.
ولكن المعروف أن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التوقيت، واختصاص بذلك الوقت على الاتصال، لا استقبال الوقت، فلا تقول: كتبته لثلاث بقين إلا إذا كنت حين الكتابة متلبسا بأولها، فيكون معنى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فطلقوهنّ للوقت الذي يشرعن فيه في العدة على الاتصال بالطلاق.
واستدل بعض الناس بالآية على أنّ نفس الطلاق مباح، فإنّه إنما نهي عنه إذا كان سببا في تطويل مدة التربص، فاقتضى ذلك أنه إذا خلا عن هذا لم يكن منهيا عنه، بل كان مأذونا فيه، ولا يخفى على المنصف أنّ الآية لم تدل على أكثر من حرمة الطلاق في الحيض.
{وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} أصل الإحصاء العد بالحصا، كما كانت عادة العرب قديما، ثم توسع فيه، فاستعمل في ضبط العدد وإكماله، فمعنى إحصاء العدة ضبطها وإكمالها ثلاثة قروء كوامل.
وإحصاء العدة واجب لإجزاء أحكامها فيها: من حق الرجعة للزوج، والإشهاد عليها، ونفقة الزوجة وسكناها، وعدم خروجها من بيتها قبل انقضائها، والإشهاد على فراقها إذا بانت، وتزوج غيرها من النساء ممن لمن يكن يجوز له جمعها إليها.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} في الإضرار بهنّ بتطويل العدة عليهن.
{لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ} نهي للأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من مساكنهنّ عند الطلاق إلى أن تنتهي العدة، ونهي للمعتدات عن الخروج منها، وفيه دليل على وجوب السكنى لهنّ ما دمن في العدة، وستطلع على كلام في ذلك.
وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها، كأنّها ملك لهنّ.
واختلفت آراء الفقهاء في ملازمة المعتدة بيت الفراق، أهو خالص حقّ الزوجين أم هو حقّ لهما وللشرع؟
فالصحيح عند الحنفية أنّ للشرع في ذلك حقا لا يملك الزوجان إسقاطه. وعلى ذلك يكون قوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ} دالّا على حرمة إخراجهنّ بمنطوقه، وعلى حرمة الإذن لهنّ في الخروج بإشارته، لأنّ الإذن في المحرّم محرّم. كأنه قيل لا تخرجوهن ولا تأذنوا لهم في الخروج إذا طلبن ذلك {وَلا يَخْرُجْنَ} بأنفسهم إن أردن.
وذهب الشافعية إلى أن ملازمتها بيت الفراق خالص حقهما، فلو اتفقا على الانتقال جاز، لأنّ الحقّ لا يعدوهما، وعليه يكون المعنى: لا تستبدّوا بإخراجهنّ، ولا يخرجن باستبدادهنّ.
{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} اختار بعض المفسّرين أنّ الفاحشة المبيّنة هي نفس الخروج قبل انقضاء العدة. وأنّ هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى: {وَلا يَخْرُجْنَ} والمعنى: لا يطلق لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو معصية وفاحشة، ومعلوم أنه لا يطلق لهن في المعصية والفاحشة، فيكون ذلك منعا عن الخروج على أبلغ وجه.
ومنه ما روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس، وقد عرض عليه بعض الناس كتابا كانوا يزعمون أنّ فيه قضاء عليّ كرم الله وجهه، فقال: ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضلّ. يريد: أنه لم يقض بهذا أبدا، لأنه لا يقضي به إلا إذا كان قد ضلّ، ومعلوم أنّ عليا لم يضل، فهو لم يقض به، وهذا أسلوب من أساليب العربية البديعة البليغة، تقول: لا تسب أخاك إلا أن تكون قاطع رحم، ولا تزن إلا أن تكون فاسقا فاجرا. روي هذا الوجه من التأويل عن ابن عمرو والسدي وابن السائب والنخعي، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله.
وقال ابن عباس: إلّا أن تبذو على أهله، فإذا فعلت ذلك حلّ لهم أن يخرجوها.
وقد أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على أحمائها.
وقال الحسن وزيد بن أسلم: الفاحشة المبيّنة الزنى، فإذا زنت أخرجت لإقامة الحد.
وقيل: الفاحشة المبينة تطلق على النشوز.
قال الجصاص: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جمعها مرادا، فيكون خروجها فاحشة، وإذا زنت أخرجت للحد، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضا، قال: وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر، لأنّ الله تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التي وصفنا.
ولكنّك تعلم أننا إذا خرّجنا الآية على المعنى الأول فإنّها تدلّ على أنه لا يباح خروجها بحال، فكيف يقول الجصاص: وجائز أن يكون جميع هذه المعاني مرادا؟
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي الأحكام السابقة حدود الله التي حدّها وعيّنها لعباده، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} أي ومن يتجاوز هذه الحدود المذكورة {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فقد حمّل نفسه وزرا، وأكسبها إثما، فصار بذلك لها ظالما وعليها متعديا. أو فقد ظلم نفسه بتعريضها للضرر الدنيوي، كما سيأتي تفصيله.
{لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً} هذه جملة مستأنفة مسوقة لتعليل مضمون الشرطية السابقة.
والخطاب فيها للمتعدي بطريق الالتفات، لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي.
والمعنى: من يتعدّى حدود الله فقد عرّض نفسه للضرر، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر، لعل الله يحدث في قلبك بعد الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلت، فامتثل أمر ربّك، ولا تطلّق في الحيض، ولا تهمل في إحصاء العدة، ولا تخرج المعتدة من بيتها، لا يحملنك البغض والغضب على أن تفعل شيئا من ذلك، فإنّ الكراهة والمحبة بيد الله مقلب القلوب، فعسى أن ينقلب البغض محبة والمقت مقة، والطلاق رجعة، فانظر لنفسك، وأبق للصلح بابا، ولا تبتّ حبل المودة بتا، فتندم حين لا ينفع الندم، والواقع يصدّق ذلك، فإن الغالب في الطلاق أن يكون نتيجة كراهة كاذبة، أو ثورة غضب جامحة تغمر العقل، وتقوى عليه، حتى إذا تمّ الانفصال، وهدأت الأعصاب، وثاب الرجل إلى رشده، انتابته عوامل القلق والحنين إلى صحبة مضت أن تعود، وتذكّر من زوجته خلالا كان يرضاها، وقلما يخلو أحد من ذلك، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي خلقا».
وقد يكون بينهما ولد، أو يظهر بها حمل، فتتأكد الرغبة فيها، والندم على طلاقها.